عبد الملك الجويني
391
نهاية المطلب في دراية المذهب
1208 - ولو أدرك الإمامَ قائماً بعدُ ، فإن أمكنه أن يتمم قراءة الفاتحة ، ثم يدرك ركوعَ الإمام ، فهو المراد ، ولو علم أنه لو تمم الفاتحة ، لفاته الركوع ، فماذا يفعل ؟ فيه خلاف معروف ، فذهب بعض الأئمة إلى أنه يقطع القراءة ، ويبادر الركوع . وسقوطُ بعض القراءة عنده ، ليس بأبعد من سقوط تمام القراءة إذا صادف الإمام راكعاً ، لمّا كبر وتحرم بالصلاة . ومنهم من يقول : عليه أن يتمم القراءة ولا يقطعها ؛ فإنه خاض فيها ، فيلزمه إتمامها . وذكر الشيخ أبو زيد في ذلك تفصيلاً حسناً ، فقال : إن تحرم بالصلاة وبادر بالقراءة ولم يقدّم عليها دعاء الاستفتاح ، ولا التعوذ ، ولكنه لمّا تفطَّن لضيق الوقت ، اشتغل بالأهم ، فإذا ركع الإمام ، فهو معذور الآن ، فنجعله مدركاً ، وإن قدم على القراءة الذكرَ المسنون والتعوذَ ، فقد تعرض لخطر الفوات . 1209 - ووجه هذا التفصيل بيّن ، ولكنا نوضّحه ، ونوضح الوجهين المرسَلَيْن قبله بالتفريع . فأما من لم يفصل فيقول : ليس على المسبوق مبادرة القراءة بل يجري على هيئته وسجيته ، والدليل عليه أنه لو قدر على أن يتسرع قبل الشروع ، فلم يفعل ، لم يختلف حكم إدراكه ، فليكن الأمر كذلك بعد التحرم . والأصح ما ذكره أبو زيد من التفصيل ؛ فإنه بعد الشروع صار ملتزماً لحكم القدوة ، مطالباً بموجبها ، فليجر على الأصوب فيما نرسم له . ولا شك ، أن الاشتغال بإقامة الأركان أولى ، ومن لم يتحرم بالصلاة فهو على خِيَرته في أمر الجماعة . فهذا بيان الاختلاف في هذه الجهة . ولا ينبغي أن يُعتقدَ خلافٌ فيه ، إذا تحرّم وسبَّح ، وتعوذ ، ثم سكت سكوتاً طويلاً ، ولم يشتغل بالفاتحة أنه يكون مقصراً ، وإنما الخلاف المذكور فيه إذا اشتغل قبل القراءة بالسنن المشروعة في الصلاة ، ثم إن أمرناه بالركوع ، فاستتم القراءة ، وبادر ، فأدرك الإمامَ راكعاً ، فهو المطلب ، وهو مدرِكٌ .